أحمد بن محمد مسكويه الرازي

169

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

الجهالات وصفت وخلصت ، وقبلت الإضاءة والنور الإلهي ، أعني العقل التام ، ويجب على رأي هؤلاء ان الانسان لا يسعد السعادة التامة إلّا في الآخرة بعد موته . وأما الفرقة الأخرى فإنها قالت : انه من القبيح الشنيع ان يظن أن الانسان ما دام حيا يعمل الأعمال الصالحة ، ويعتقد الآراء الصحيحة ويسعى في تحصيل الفضائل كلها أولا ، ثم لا بناء جنسه ثانيا ، ويخلف رب العزة تقدس ذكره في خلقه بهذه الافعال المرضية ، فهو شقي ناقص حتى إذا مات وعدم هذه الأشياء صار سعيدا تام السعادة ، وأرسطوطاليس يتحقق بهذا الرأي وذلك أنه تكلم في السعادة الانسانية والانسان هو المركب عنده من بدن ونفس ، ولذلك حد الانسان بالناطق المايت ، « 1 » وبالناطق الماشي برجلين ، وما أشبه ذلك وهذه الفرقة ، وهي التي رئيسها ارسطوطاليس ، رأت ان السعادة الانسانية تحصل للانسان في الدنيا إذا سعى لها وتعب بها حتى يصير إلى أقصاها ولما رأى الحكيم ذلك وان الناس مختلفون في هذه السعادة الانسانية ، وانها قد أشكلت عليهم اشكالا شديدا احتاج ان يتعب في الإبانة عنها وإطالة الكلام فيها ، وذلك ان الفقير يرى أن السعادة العظمى في الثروة واليسار ، والمريض يرى أنها في الصحة والسلامة ، والذليل يرى أنها في الجاه والسلطان ، والخليع يرى أنها في الظفر بالمعشوق ، والفاضل يرى أنها في إفاضة المعروف على المستحقين ، والفيلسوف يرى أن هذه كلها إذا كانت مرتبة بحسب تقسيط العدل أعني عند الحاجة وفي الوقت الذي يجب وكما يجب ، وعند من يجب ، فهي سعادات كلها ، وما كان منها يراد لشيء آخر فذلك الشيء أحق باسم السعادة .

--> ( 1 ) . وفي نسخة أخرى : المائت . اسم فاعل ، أي : مختصر لم يمت بعد .